كارستن نيبور

25

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية

بأصله الوضيع وبإخراجه من الفم يعلمونه أنّ الاله اعتبره من سلالته أي براهماني . وإذ يصعب أن ينتقل الشخص من طبقة الجنود إلى طبقة الكهنة ، ويصعب أن يتدرج من طبقة دنيا إلى طبقة أرفع ، يستحيل أن ينضم مسيحي أو مسلم أو أي إنسان من أية ديانة أخرى إلى إحدى الطبقات الهندية . أي إن الهنود لا يستقبلون مهتدين جدد . وهذا هو برأيي السبب الرئيس الذي جعل الهنود في الوضع المزري الذي هم عليه اليوم ، لأنهم لو رضوا بجعل الأفغان والتتار الذين سيطروا أولا على بلادهم من البراهمانيين أو الرسبوطيين ، لاعتنق هؤلاء مع الوقت ديانة أهل البلاد كفاتحي الصين ، ولأصبحت الهند اليوم مملكة مزدهرة ، لكن بهذه الطريقة بقوا رعايا هادئين ومكافحين تحت سيطرة أسيادهم الأغراب كما لو أنهم يخضعون لزعمائهم ، وبقوا فخورين بأصلهم الهندي . ولا يلائم الحكّام الأجانب ألّا يتمكنوا من أن يتجنسوا في بلاد يحكمونها استبداديا ، وألّا يرضى السكان بالأكل معهم حتى أنهم يعتبرونهم غير طاهرين ، لكنهم يحتملون ذلك لأن الوثنيين يملؤون خزاناتهم بالمال . ويتقبل الفاتحون المسلمون كأبناء دينهم أولئك الذين يصرحون علنا باعتناقه ، لكنهم لا يحاولون هداية الكفّار بالاقناع أو بالاكراه وذلك لأن الهنود الذين يعتنقون الدين الإسلامي يكفّون عن العمل الجاد ويصبحون مجرد جنود ، في حين أن الزعماء المسلمين يستقدمون الأفغان والتتار لإبقاء هذه البلاد الغنية تحت سيطرتهم ولتوسيع نفوذهم . وما لم يهدمه المسلمون ، هدمه لاحقا الأوروبيون الذين أرادوا جمع الثروات على حساب الهنود المادحين . إنما نجد في البلاد امراء هنود واسعي النفوذ . وتخلّص الحكّام المسلمون في الأقاليم الكبيرة تدريجيا من سلطة زعيمهم المشترك المغولي ، إذ إن سلطة هذا الأخير ضعفت للغاية حتى عزله ملك بلاد فارس ، وأخذ ملك الأفغان أي أبناء دينهم ومن بعدهما التجار الانكليز في الهند . ولا يخضع المغولي وحده لسلطة الانكليز بل بعض الحكّام الكبار أيضا مما جعل حكم المسلمين ضعيفا للغاية في الهند . وإذا ما امتدت سلطة الانكليز حتى تلك البلاد النائية ، وهذا ما قد يحصل في وقت أقرب مما نتوقعه اليوم ، قد يستعيد الهنود قوتهم ويعيدون ضم الأقاليم التي كانت مكتظة بالسكان ، والتي خربتها الأمم الغربية إلى دولتهم المزدهرة . يعتبر الهنود الأمة الأكثر تسامحا في العالم ، ففي أيّ بلد أوروبي يسمح لأناس من ديانة أخرى أن يدعوا علنا إلى ديانة تخالف تلك المسيطرة في البلاد ؟ يبدون في الهند وكأنهم لا يكترثون للأمر ، كما أن طريقة حكمهم تختلف عن تلك المعتمدة لدينا أو لدى الأمم الأخرى . وتحرص كل طبقة على حسن تصرف أعضائها . وبالتالي نادرا ما يضطر القاضي إلى معاقبة تجاوز ما . حين يخالف أحدهم القوانين ، يفرض عليه القيام بحج أو دفع غرامة نقدية أو أي عقاب آخر ، وحين